الحمل والطفل
pregnancy

0






الحوت ...

الحرارة فوق الخمسين. الثلث الاخير من تموز. الوقت ظهرا. الشمس في سمت الرأس والشوارع مقفرة تماما. بدا اليوم كيوم من ايام الحرب بعد سماع صفارة انذار .آتيك يعني آتيك فالموعد عندي مقدس ، قلت البارحة للحوت حينما اتصل بي .لدي ساعة من الوقت .رحت اغذّ السير في الطريق . سربلني العرق، شعرت بأعراض الدوار. كنت قد نويت ان اشتري قنينتي ماء لا واحدة .اسكب منها على رأسي وصدري. وصلت الشارع العام .فاجئني وضعه .كل المحلات الثلاثين مغلقة ، هل انذرهم الحوت مثلي؟ لا يعقل فالحكومة نفسها لم تستطع اخلاء المتجاوزين بما فيهم الحوت، ربما لأن الكهرباء مقطوعة كالعادة وان المحلات صارت تشبه الافران .مررت ببعض الكلاب .كانت تلهث وهي تلوذ بجدران البيوت. ها انا وصلت. ترى، اي باب من هذه الثلاثة اطرق؟. مسحت العرق عن جبيني .استغرب الباب وجهي، هل ظللت الطريق فما من كوخ هنا ماذا تريد؟ ظننته قال .انا ومنذ ولدت أكره فاحشي الثراء وحديثي النعمة ناهيك عن كرهي للحيتان . اكره احياءهم ورؤوسهم المحشوة بأوراق البنكنوت .أكره أحاديثهم الفارغة وادعاءاتهم والغرور ليس حسدا بل اعجب من حب الأنا لديهم وقد اكتشفت مرارا انهم يكرهونني أيضا .لكن علي ان ادخل فالحوت يريد ان يراني .جئت ماشيا .المسافة كانت بنظري قصيرة .ذلك كان ايام الشباب، لكنها اليوم بدت طويلة . ان استأجر سيارة اجرة، أمر مكلف. حتى لو استوجب الامر ذلك فأنا لا املك اجرة التكسي وموعد راتب التقاعد بعيد. حمدا لله فما من سيارة في الطريق .طرقت الباب الفخم .فتح لي صبي مربع الجسم متين مورد الخدين بطيء التنفس يجر بصعوبة قدميه. كان الحوت في آخر القاعة الفسيحة يمدد رجليه و يهاتف مسئولا كبيرا كما أراد ان يفهمني. وصلت الرسالة يا حوت ، فهمت. أسلوب منذ نعومة اظفاري، اعرفه تماما حين يطلبونني . .شعرت بالبرد .رجفت ثم عطست .كيف هو الجو في الخارج ؟.حاول ان يكون مجاملا .جاءت ابتسامته ميتة. نظرت في وجه صنع من الصفيح خال من اي تعبير .كما ترى فقد اعطت الحكومة عطلة. داعب الحوت مسبحته الحسينية. رفع رأسه وقال : قيل لي انك رفضت ان تدفع زيادة الايجار، أتدرك خطورة ذلك؟ تذكر ، هناك تضخم في اعداد المحامين ولدي الكثير من الوقت والمعارف .اردت القاء الحجة عليك لا أكثر. وانت في كل الاحوال ستدفع. تهديد مبطن قاله بكل برود كذلك البرود الذي واجهني به قبل شهرين وهو يرفع الايجار للمرة الثالثة .إن الحوت يبتزني من جديد . يبلعني جزءاً بعد جزء كي لا يغصّ. خرجت .نظرت الى سيارته { الجكسار } الحديثة المركونة قرب الباب .تذكرت أيام النوالة وظهور العمال المنحنية والوجوه الصفر. تذكرت الحيتان الاربعة ، مصاصي دماء العمال .تذكرت اغنية يرددها ابناء الكادحين وسكان الصرائف تذكرهم بسوء ، تشتمهم . بصقت .
طول الطريق كانت توبخني نفسي، ما ضرك لو صرت رئيس زمرة حمالين في رصيف الميناء تقاسمهم اجر عملهم دون ان تتعب او تضع على ظهرك النوالة { ففتي ، ففتي } لكنت الآن حوتا مثله وربما أكثر؟ بدت روحي شامتة بي فصحت بها بصوت عال، اخرسي .لا تحاولي حتى لو !! .اخرس انت، ردت علي امرأة كانت تسير قربي وابتعدت مهرولة خائفة، لم اكن قد انتبهت اليها .ترى هل جننت تساءلت وانا افكر في مواجهة الحوت من جديد .هل اخضع لابتزازه وتهديده المبطن ؟ لن يبلعني في آخر العمر حوت، افهميني صحت بها !!!.

إرسال تعليق

 
Top